أحمد بن محمد القسطلاني
209
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وما ورد في الأحاديث من الجمع بين الصلاتين في السفر فمعناه الجمع بينهما فعلاً لا وقتًا اه - . فليتأمل . ( وصلّى الفجر ) حين طلوعه ( قبل ميقاتها ) المعتاد مبالغة في التبكير ليتسع الوقت لفعل ما يستقبل من المناسك وإلاّ فقد كان يؤخرها في غير هذا اليوم حتى يأتيه بلال ، وليس المراد أنه صلاها قبل الفجر إذ هو غير جائز بالاتفاق . ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الحج . 1683 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ " خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - إِلَى مَكَّةَ ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا فَصَلَّى الصَّلاَتَيْنِ : كُلَّ صَلاَةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ - قَائِلٌ يَقُولُ طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَقَائِلٌ يَقُولُ لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ - ثُمَّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ : الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، فَلاَ يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا ، وَصَلاَةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ . ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ . فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ - رضي الله عنه - ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ " . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن رجاء ) بفتح الراء والجيم مولى ابن عمرو يقال ابن المثنى بدل عمر الغداني بضم المعجمة وتخفيف الدال المهملة البصري . قال أبو حاتم : كان ثقة رضا . قال ابن معين : ليس به بأس ، وقال عمرو بن الفلاس : كان كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة اه - . وقد لقيه المؤلّف وحدث عنه بأحاديث يسيرة وروى له النسائي وابن ماجة قال : ( حدّثنا إسرائيل ) بن يونس ( عن ) جده ( أبي إسحاق ) عمرو بن عبيد الله السبيعي ( عن عبد الرحمن بن يزيد ) النخعي الكوفي ( قال : خرجنا ) بلفظ الجمع ، ولأبي ذر : خرجت ( مع عبد الله ) بن مسعود ( - رضي الله عنه - إلى مكة ، ثم قدمنا جمعًا ) بفتح الجيم وسكون الميم أي المزدلفة من عرفات ( فصلّى الصلاتين ) : المغرب والعشاء ( كل صلاة ) بنصب كل أي صلّى كل صلاة منهما ( وحدها بأذان وإقامة ، والعشاء بينهما : ) بكسر العين في فرع اليونينية وغيره ، وفي بعض الأصول وهو الذي في اليونينية : والعشاء بفتحها وهو الصواب لأن المراد به الطعام أي أنه تعشى بين الصلاتين وقد وقع مبينًا فيما سبق بلفظ : إنه دعا بعشائه فتعشى ثم صلّى العشاء . قال عياض : وإنما فعل ذلك لينبه على أنه يغتفر الفصل اليسير بينهما ، والواو في قوله والعشاء للحال . ( ثم صلّى الفجر حين طلع الفجر قائل ) كذا في فرع اليونينية قائل بغير واو وفي غيره : وقائل بإثباتها ( يقول طلع الفجر ، وقائل يقول لم يطلع الفجر ، ثم قال : إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إن هاتين الصلاتين حولتا ) غيرتا ( عن وقتهما ) المعتاد ( في هذا المكان ) المزدلفة قال البلقيني فيما نقله عنه صاحب اللامع : لعل هذا مدرج من كلام ابن مسعود ، ففي باب : من أذن وأقام قال عبد الله : هما صلاتان محوّلتان . قال : وحكى البيهقي عن أحمد ترددًا في أنه مرفوع أو مدرج ، ثم جزم البيهقي بأنه مدرج ، وأجاب البرماوي . بأنه لا تنافي بين الأمرين فمرة رفع ومرة وقف ( المغرب والعشاء ) بالنصب فيهما . قال الزركشي : بدل من اسم أن وكذا صلاة الفجر ، وتعقبه الدماميني : بأن المبدل منه مثنى فلا يبدل منه بدل كل إلا ما يصدق عليه المثنى وهو اثنان فحينئذ المغرب وصلاة الفجر مجموعهما هو البدل ، ويحتمل أن يكون نصبهما بفعل محذوف أي أعني المغرب وصلاة الفجر اه - . ويجوز الرفع فيهما على أن المغرب خبر مبتدأ محذوف تقديره إحدى الصلاتين المغرب ، وسقط في رواية ابن عساكر : والعشاء . ( فلا يقدم الناس جمعًا ) أي المزدلفة بفتح دال يقدم بعد سكون قافها ( حتى يعتموا ) ، بضم أوله وكسر ثالثه من الإعتام أي يدخلوا في العتمة وهو وقت العشاء الأخيرة ( وصلاة الفجر ) بالنصب ، ولأبي ذر : صلاة بالرفع كإعراب المغرب فيهما السابق ( هذه الساعة ) بالنصب أي بعد طلوع الفجر قبل ظهوره للعامة . ( ثم وقف ) ابن مسعود - رضي الله عنه - بمزدلفة أو بالشعر الحرام ( حتى أسفر ) أضاء الصبح وانتشر ضوءه ( ثم قال ) : ( لو أن أمير المؤمنين ) عثمان - رضي الله عنه - ( أفاض الآن ) عند الإسفار قبل طلوع الشمس ( أصاب السنة ) التي فعلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلافًا لما كانت عليه الجاهلية من الإفاضة بعد طلوع الشمس كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب التالي . قال عبد الرحمن بن يزيد الراوي عن ابن مسعود : ( فما أدري أقوله ) أي أقول ابن مسعود لو أن أمير المؤمنين أفاض الخ . ( كان أسرع أم دفع عثمان - رضي الله عنه - ) أي : أسرع . ووقع في شرح الكرماني وتبعه البرماوي أن القائل : فما أدري الخ . هو ابن مسعود نفسه وهو خطأ كما قاله في فتح الباري . قال : ووقع في رواية جرير بن حازم عن أبي أسحق عند أحمد من الزيادة في هذا الحديث أن نظير هذا القول صدر من ابن مسعود عند الدفع من عرفة أيضًا ولفظه : فلما وقفنًا